الشيخ محمد رشيد رضا

25

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ هذا النهي مساوق للامر بالثبات وكثرة الذكر وبطاعة اللّه والرسول ومتمم للغرض منه فان الاختلاف والتنازع مدعاة الفشل وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر وأكبر أسبابه الضعف والجبن ولذلك فسروه هنا بهما ، وأصل التنازع كالمنازعة المشاركة في النزع وهو الجذب وأخذ الشيء بشدة أو لطف كنزع الروح من الجسد ، ونزع السلطان العامل من عمله ، كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر من رأي ويلقي به - أو من نزع إلى الشيء نزوعا إذا مال اليه ، فان كل واحد من المتنازعين في الأمر يميل إلى غير ما يميل اليه الآخر ، وهذا أظهر هنا . وأما قوله تعالى ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) فمعناه تذهب قوتكم وترنخي أعصاب شدتكم فيظهر عدوكم عليكم . والربح في اللغة الهواء المتحرك وهي مؤنثة وقد تذكر بمعنى الهواء وتستعار للقوة والغلبة إذ لا يوجد في الأجسام أقوى منها فإنها تهيج البحار وتقتلع أكبر الأشجار وتهدم الدور والقلاع ، وقال الأخفش وغيره تستعار للدولة لشبهها بها في نفوذ أمرها . ويقولون هبت « رياح فلان » إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد كما يقولون ركدت ربحه أو رياحه إذا ضعف أمره وولت دولته . وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أي واصبروا على ما تكرهون من شدة وما تلاقون من بأس العدو واستعداده وكثرة عدده وغير ذلك ، إن اللّه مع الصابرين بالمعونة والتأييد ، وربط الجأش والتثبيت ، ومن كان اللّه معه فلا يغلبه شئ ، فاللّه غالب على أمره وهو القوي العزيز الذي لا يغالب . وقد جاءت هذه الجملة في آية من سورة البقرة وهي ( و اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) فيراجع تفسيرها هنالك ( ص 38 ج 2 ) بل براجع تفسير الآية من أولها ( ص 34 ) وكذا تفسير ( 2 : 45 و اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قبلها ( ص 295 ج 1 ) وهنالك تفسير كلمة الصبر ووجه الاستعانة به على مهمات الأمور كلها ولا سيما القتال * * * ( 47 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 48 ) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ